ها هي عجلة الزمان تدور لتعود علينا بعاشوراءَ العزة، وكم تفقد أمتنا الكثير حين تجهل التاريخ أو تنساه فتتعامل معه تعامل أحداث مرت لا عظة فيها ولا عبرة، أو تتعامل معه تعاملا جزئيا فتختزل الذكرى العظيمة والحدث الجلل في صيام يوم أو في حفل صغير أو كبير.
يوم عاشوراء وقف معه رسول الله ( ص ) وصامه، بل كان صيامُه واجبا، أخرج البخاري ومسلم عن عائشة قالت: "كان عاشوراءُ يُصام ُ، فلما نَزَلَ رَمَضَانُ كَان َمَن شَاءَ صَامَ وَمَنْ شَاءَ أَفْطَر"
يومُ عاشوراءَ هو يوم نَجَّى الله فيه موسى من فِرعون، لذا صامَه رسول الله ( ص ) تفاعلا مع الحدث، وليجدد في أمته وفينا أن نقرأَ التاريخ، وأن نعيشَ مع الأمل، وأن نترقبَ النصر، لا أن نستسلمَ ونيأسَ ونَنبطح "إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ" فكم عانى موسى من فرعون! وكم عانى من هامان! وكم عانى من قارون! "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ" فالأيامُ دُوَل، وهي سنةُ الله "إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ"
صام رسول الله ( ص ) عاشوراءَ ليُعلمَ أصحابَه الأمل، وليتعلقوا به وليعملوا له، صامه رسول الله ليربط الصحابةَ بتاريخهم فلا فرق بين موسى وعيسى ومحمد "لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ" وليعلمهم أنهم أمةٌ مترابطة "إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ"، فكلهم أصحابُ رسالة سماوية واحدة "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ .."
صام رسول الله ( ص ) عاشوراء وحض الصحابة على صيامه ليحقق فيهم تلك المعانيَ السامية "صيامُ يومِ عَاشُورَاء أَحْتَسِبُ عَلى اللهِ أنْ يُكفّر السنةَ التي قبلَه" رواه مسلم، وهنا لابد أن نذكر أن القضية ليست قضية امتناع عن طعام وشراب فحسب وإنما أن نعيش ذلك اليوم وأن نعيش ذلك الحدث، وأن نعلم أن طريق العزة هو طريق تربية النفس، وصدق القائل: "ميدانُكُمُ الأَوَّلُ أَنْفُسُكُم، فَإِنْ اِنْتَصَرْتُمْ عَلَيْهَا كنتمْ عَلى غَيرِها أَقْدَر، وإِنْ أَخْفَقْتُم في جهادِها كنتُم عَمَّا سِوَاهَا أَعْجَز"
صام رسول الله ( ص ) عاشوراء ونوى صيام تاسوعاء وعاشوراء من العام المقبل ليعلمنا ألا نكون إمعة، وألا نكون مجرد مقلدين، فكم تخسر الأمة حينما ترضى دائما أن تكون متبعة مقلدة في ذيل الأمم لا رأي لها ولا تأثير، كما أننا نتعلم أمرا آخر من نية رسول الله e وهو عقد نية الخير ولو لعام مقبل، وهذا ما تعلمه ابن حنبل ونطق به معلما لابنه: "يا بُنَيَّ إِنَكَ لا تَزَالُ بِخَيْرٍ مَا دُمْتَ تَنْوِي الخَيرَ"
فَلْنَنْوِ أخي صيامَ تاسوعاء وعاشوراء ليكفرَ الله عنا ذنوبَ سنة وما أحوجَنا إلى عفوِ الله ومغفرتِه، "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ"، وخاصة أننا ما زلنا في الأشهر الحرم التي قال الله فيها: "فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ"
فَلْنَنْوِ صيامَ عاشوراءَ، وَلْنُجَدِّدْ التوبةَ مع الله ونحن في بداية عامٍ هِجريٍ جديد، لنبدأَه بتوبةٍ وعملٍ صالح فها هي الأيامُ تتسارعُ حتى يأتيَ يومُ لقاءِ الله، "يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ"
فَلْنَنْوِ صيامَه ولْنُجَدِّدْ في أنفسِنا الأملَ، ولْنعملْ لدينِنا، ولْنعملْ لأُمَّتِنا، بل لخير العالم أجمع، ولا تنس أخي في بداية عام هجري جديد أن الرسول هاجر ليَكُونَ ذلك النموذج الصالح المعبر عن دينه وإسلامه، فهل لك في رسول الله أسوة حسنة؟