لبيك اللهم لبيك ... ما أجملَ عظمةَ الربوبية! ... وما أعظمَ فضلَ الألوهية! ... وما أجملَ أن يَتَفَضَّلَ الله على عِبادِه فيدعوهم إلى بيته العتيق ليغفرَ ذنوبهم ويُطهِّرَ قلوبَهم ويضاعف أجورَهم ويُجدد أرواحَهم ويمنحَهم من فَيض فَضله ما لا عينٌ رَأَتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خَطَرَ على قلب بشر! ... وما أجملَ أن يتفتح المؤمن على هذا النداء العلوي ويتلقاه كما تتلقى الزهرةُ قطراتِ الندى فيحيا به ويسعد ويَتَجَهَزَ من فورِه لإجابة دعوة الله، والانضمام إلى وفده الكريم مهاجرًا إلى حَرَمِه المقدس وبيته الأمين هاتفًا من أعماق قلبه: لبيك اللهم لبيك!.
الحج فريضةٌ من فرائض الله؛ أمر بها عبادَه وكلَّفهم أداءَها وأعدَّ لهم جزيلَ الثواب إنْ فعلوها، وتوعَّد بأشد العقوبة من تَرَكَها، وهو عليها قادر ولها مستطيع، وهو ركنٌ من أركان الدين الخمسة؛ يتم بتمامه ويَنْقُصُ بنقصه، وفيه نزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا﴾ المائدة 3، وقد وردت بذلك آيات الكتاب الكريم وأحاديث الرسول العظيم.
قال تعالى: ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران 97، وهذا تركيبٌ يدل على عظيم العناية بالحج وتأكيد فريضته، ألست ترى أن الحق تبارك وتعالى اعتبره دَينًا له على عباده في قوله ﴿وَللهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ﴾؟!، وألست ترى أنه تبارك وتعالى جعل مقابل القعود عن أدائه الكفر، وهو أشد المقت، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يُعْهَد هذا التركيبُ في فريضةٍ أخرى في كتاب الله غير الحج تنبيهًا على عظيم قدره وجليل أهميته.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "العمرة إلى العمرة كفارةٌ لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاءٌ إلا الجنة" البخاري ومسلم
وعن ابن عباس رضي الله عنه "تابعوا بين الحج والعمرة؛ فإنهما يَنْفِيَان الذنوبَ كما ينفي الكبرُ خَبَثَ الحديد" النسائي، ومعنى المتابعة بين الحج والعمرة الجمع بينهما، فيحج ثم يعتمر
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "مَن حجَّ لله فلم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُق رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْه أمُّه" رواه البخاري
وعن أبي هريرة رضي الله عنه "الحجاجُ والعُمَّارُ وفدُ الله عز وجل وزوَّارُه؛ إنْ سألوه أعطاهم، وإن استغفروه غَفَرَ لهم، وإن دعوا استجيب لهم، وإن شَفَعُوا شُفِّعوا" ابن ماجه
وعنه t قال: سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال أفضل؟ قال "إيمان بالله وبرسوله" قيل ثم ماذا؟ قالت "ثم الجهاد في سبيل الله" قيل ثم ماذا؟ قال: "ثم حج مبرور" البخاري ومسلم، والحج المبرور هو الذي لا يعقبه معصية الله.
وقال صلى الله عليه وسلم "مَن مَات ولم يحُجْ فَلْيَمُتْ إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا" الترمذي، وفي ذلك أشد الوعيد للذين يستطيعون الحج ويقعدون عنه تكاسلاً عن أدائه وإهمالاً لشأنه وتضييعًا لحقه. وقد كان عمر رضي الله عنه يقول: "لقد هممتُ أن أبعث رجالاً إلى هذه الأنصار فينظروا كلَّ مَن كان له جدة ولم يحج فيضربوا عليهم الجزية؛ ما هم بمسلمين" (رواه سعيد في سننه).
وعن ابن عمر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "استَمْتِعُوا من هذا البيت؛ فإنه هُدِمَ مَرَّتين ويُرفَع في الثالثة" رواه البزار وابن حبان والحاكم وصححه، والمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر أُمتَه باغتنام فضل وجود الكعبة المشرفة التي جعلها الله بركةً وهدًى ورحمةً وأمنًا قبل أن تذهب بها حوادث الدهر، ولعل الإشارة في الحديث إلى هاتين المرتين لأهميتهما وما عداهما كان ترميمًا، ويوشك أن يُهمِلَ الناس أمرَ الحج فيرفع الله بيتَه، ويستأثر به وينزع البركةَ السابقةَ من أهل الأرض الذين أغفلوا نداءَ ربهم وأهملوا فريضةَ حجهم وهجروا سيدهم.
أيها الأخ الكريم..
إنْ كنت ممن سمعوا هذا النداء فأجابوا الدعاء، وقُدِّر لهم أن يكونوا في وفد الله تبارك وتعالى فاعلم أنها غُرَّةُ السعادة وفاتحة الخير كلِّه، وعُنوان رضوانِ الله؛ فما دعاك إلا وهو يحبك، وما ناداك إلا ليَمْنَحَك، ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة 268 فهنِّئ نفسك بهذا الفضل المبين، وتقبَّل منا تهنئة الإخوان المحبِّين، واذكرنا بصالح الدعوات المشرفة، وإن حالت دون ذلك الحوائل فَصَاحِبِ الحجاجَ بقلبك، ورَافِقْهُم في أَدَاءِ المناسك بِرُوحِك؛ فإن لك مثل ثوابهم إن شاء الله، وr القائل لأصحابه " لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه ". قالوا: يا رسول الله، وكيف يكونون معنا وهم بالمدينة؟ قال: "حبسهم العذر".
وفقنا الله وإياك إلى حج بيته وزيارة رسوله، وكتب لنا ولك القبول آمين
اتحاد المنظمات الاجتماعية - الرائد/القسم الثقافي
1790