اتل القرآن أو طالع، أو استمع، أو اذكر الله ولا تصرف جزءاً من وقتك في غير فائدة
بسم الله الرحمن الرحيم
اتل القرآن
أو طالع، أو استمع، أو اذكر الله
ولا تصرف جزءاً من وقتك في غير فائدة
إذا كان الإنسان شديد الحرص على المال، شديد المحافظة عليه والاستفادة منه، وهو يعلم أن المال يأتي ويروح، فلابد أن يكون حرصه على وقته والاستفادة منه كله فيما ينفعه في دينه ودنياه، وما يعود عليه بالخير والسعادة أكبر، خاصة إذا علم أن ما يذهب منه لا يعود. يقول الحسن: أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم.
وها هو الإمام ابن القيم رحمه الله يبين هذه الحقيقة بقوله: "وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته.... فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة، فموت هذا خير من حياته".
ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله به في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل ما في قوله تعالى: واللَّيْلِ إِذَا يَغْشى والنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى ، وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ، وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ ، وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِيْ خُسْر.
ومعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، وليلفت الأنظار إليه وينبه على جليل منفعته.
وجاءت السنة لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسئول عنه يوم القيامة، فعن معاذ بن جبل أن رسول الله قال: (لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، و عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه) رواه الترمذي وحسنه الألباني.
1 - تلاوة القرآن :
القرآن هو دستور الحياة الفاضلة، وسبيل الهداية الحقة، تقاس هداية الأمم والأفراد بقدر صلتهم به، وعملهم بتوجيهه: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (سورة الإسراء : 9).
وقد أمرنا الله بتلاوته في أول كلمة نزلت منه {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (العلق : 1) وكرر الأمر بتلاوته وقراءته مرات.. في مثل قوله تعالى: {ورتل القرآن ترتيلا} (المزمل:4) وقوله {اتل ما أوحي إليك من الكتاب} (العنكبوت: 45) وقوله: {واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك} (الكهف: 72) فإذا لم يكن كله فبعضه {فاقرأوا ما تيسر من القرآن} أو {فاقرأوا ما تيسر منه} (المزمل: 20).
ويبين الحكيم العليم أن لتلاوة القرآن آداباً وفنوناً والذين يتلون القرآن مراعين ماله من آداب وفنون كالخشوع والتأمل والتدبر وإخراج الحروف من مخارجها وإعطاء التلاوة حقها إنما هم المؤمنون به الخاشعون لجلاله فيقول {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} (البقرة:121). كما بين أن القرآن ما أنزل إلا ليقرأ على الناس في تؤدة وتدبر فيقول: {وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مكث} (الإسراء: 061). ويؤكد هذه الطريقة المثلى فيقول: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه} (طه:114) ويطلب منا طول التأمل فيما نتلو من قرآن فيقول: {ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر} (القمر:17). ويعيب سلوك الذين يقرؤونه ولا يفقهون منه شيئاً فيقول: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد:24).
ويذكر الحليم العليم ثمرة التلاوة وهي تحصل بزيادة الإيمان لدى السامع فيقول: {وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً} (الأنفال: 2) ومن أجل هذا، وليصل القرآن إلى قلوب السامعين متجاوزاً آذانهم ليخاطب عقولهم وأرواحهم من أجل هذا أمرنا بالصمت عند التلاوة وترك كل ما يشغل عن سماع القرآن: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون} (الأعراف:204).
إن حسن الاستماع والإنصات عند تلاوة القرآن يسبيان نزول الرحمة للسامعين، أما الاشتغال حال التلاوة، والخوض في الحديث أياً كان موضوعه فليس من صفات المؤمن.
إن حسن الاستماع إلى كتاب الله يضفي على النفوس روحاً بها يتذوق السامع حلاوة التلاوة ويدرك كثيراً من أسرار التعبير فيمتع قلبه، ويسمو بفكره، ويرهف وجدانه.. وفي ذلك ورد قوله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله} (الزمر:23) فمن لم يجد في نفسه هذا الأثر فما أحسن سمعاً، ولا فقه معنىً.
تلك هي تلاوة القرآن في القرآن، فما تلاوة القرآن في الهدي النبوي الشريف؟
يقول عليه السلام: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»( رواه البخاري) و يقول: «من قرأ حرفاً في كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها»( رواه الترمذي) ويمضي بنا الرسول خطوة أخرى على الطريق فيقول: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتابه ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة.وذكرهم الله فيمن عنده»( رواه مسلم و أبو داوود).
ويبين عليه السلام أن الذي يشغله القرآن لم يفته شيء من الخير فيقول: «يقول الرب تبارك وتعالى: من شغله القرآن عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين، وفضل كلام الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه» ( رواه الترمذي والدارمي).
كما يحث على سماع القرآن ممن يتلوه فيقول: «من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة. ومن تلاها كانت له نوراً يوم القيامة»( رواه أحمد) ويبين أن القرآن يأتي محامياً ومدافعاً عن قارئيه يوم القيامة فيقول: «اقرأوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه»( رواه مسلم) ويحذر عليه السلام الأمة من ترك قراءة القرآن وحفظه فيقول: «إن الذي ليس في جوفه شيء من القرآن كالبيت الخرب»( رواه الترمذي)
ويرشدنا الرسول ص إلى أن عليا المنازل أن يجمع الإنسان إلى تلاوة القرآن حفظه والعمل بما فيه فيقول: «من قرأ القرآن فاستظهره فأحل حلاله وحرم حرامه أدخله الله الجنة، وشفعه في عشرة من أهل بيته كلهم قد وجبت له النار»( رواه الترمذي) كما يبين عليه السلام أن قراء القرآن وحافظيه والعاملين بما فيه هم الخاصة الذين اصطفاهم الله من خلقه. فهم أهله وأولياؤه. وفي ذلك يقول عليه السلام: «إن لله أهلين من الناس. قالوا: من هم يا رسول الله؟. قال أهل القرآن هم أهل الله و خاصته»( رواه أحمد).
في أسلوب تشبيهي بليغ يقول فيه المصطفى: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كالأترجة «التفاحة» ريحها طيب. وطعمها طيب. ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة «البلحة الجافة» لا ريح لها وطعمها حلو. ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة «الزهرة» ريحها طيب وطعمها مر. ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة ليس لها ريح وطعمها مر».( رواه النسائي)
فتأمل – أخي الحبيب - هذه المنازل. واجتهد أن تكون في أعلاها - ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
2-3-الاطلاع والاستماع
القراءة والاستماع هما طريقنا إلى العلم. وكفى العلم شرفاً أن الله مدح ذوي العلم ورفعهم درجات {قل هل يستوي الذين يعلمون، والذين لا يعلمون} (الزمر: 9) وحصر تقواه ومعرفته فيهم فقال: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} (فاطر: 28) كما حصر ملكة الفهم والوعي والإدراك في العلماء دون غيرهم فقال: {وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون} (العنكبوت: 43).
وكفى العلم أصالة أن الرسول عليه السلام يجعله فريضة علينا فيقول: «طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة»( رواه ابن ماجة) وبين أن طالب العلم مرضي عند الله، فقال: «من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة وان الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضاً بما يصنع»( رواه أبو داوود و الترمذي) وآثار العلم باقية لا تمحى حتى بعد موت صاحبه وفي ذلك يقول عليه السلام: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث»( رواه النسائي) و يذكر منها: «أو علم ينتفع به» ويبين عليه السلام أن أولى أنواع العلوم بالوعي والاستظهار هو العلم الذي يتصل مباشرة بقضايا الدين فيقول: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».(متفق عليه)
والاطلاع والاستماع هما من أمتع ما يشغل بهما الإنسان وقت فراغه.. واستصحاب الكتاب ثروة غنية يقول فيها أحد الشعراء: وخير أنيس في الأنام كتاب. والحياة قصيرة مهما طالت ولكن تستطيع أن تعوض هذا القصر بالاطلاع على نفائس ما كتبه غيرك في العلوم والفنون. وإذا أحسنت الاختيار ودأبت على القراءة يطول عمرك «معنى» بما تضيف إليه من «ثمار» أعمار الآخرين. وبذلك تستطيع أن تقف خلال عمرك القصير على أضعاف أضعاف ما كنت ستصل إليه لو اقتصرت على معارفك الذاتية..
وإذا كانت القراءة فضيلة في نفسها فعلى القارئ أن يختار ما يقرأ. فإن «تحديد» نوع المقروء هام جداً. فليس كل مقروء مفيداً، إن «المطابع» كالأمهات يلدن كثيراً. وتتفاوت «المواليد» في النجابة والفضل. فاعمد إلى كل نجيب مما تفرزه المطبعة وحذار أن تضيع وقتك في غير المفيد. واعلم أن هناك أولويات فيما يجب أن تعلمه فتقرأ من أجله، فابدأ بما تحتاج إليه «دينياً» مما يصحح العبادة، وينير أمامك الطريق، ويبين الحلال من الحرام، والنافع من الضار، وما يكشف لك عن مقاصد دينك ومنهجه في الحياة.. ثم ما يربطك ببني عصرك تفكيراً أو سلوكاً، ولتحدد لك موقفاً مما ترى أن كل ما يزيدك فهماً لأسرار الحياة.
إن مأساة كثير منا تتمثل في الفصل بين العلم والعمل. فالعلم بلا عمل سلاح مفلول لا ثمرة فيه.
4. ذكر الله
إذا لم تتيسر لك تلاوة القرآن، ولم تتيسر لك مطالعة العلم، أو الاستماع إليه لسبب ما. فإن أمامك وسيلة أخرى هامة ومثمرة تستطيع أن تستثمر بها وقتك، وتحميه من الضياع والعبث. تلك الوسيلة هي ذكر الله. أن تذكره في كل حال من أحوالك ليلاً أو نهاراً، قائماً وقاعداً وراقداً. مشغولاً ومتفرغاً. وأيسر كتاب تفتحه لتذكر الله، وتقرأه وإن كنت لا تعلم القراءة، هو كتاب الكون. فالكون كتاب مفتوح بكل ما فيه من علامات وظواهر. السماء والنجوم والأقمار والسحب والرياح.. الأرض وما حملت من جبال وأنهار ونبات وأشجار، إن كل ما يقع فيه نظرك في الكون أثر من آثار الله تراه عندها. يقول الحكيم لافتاً الأنظار إلى هذا المعنى: {إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، ويتفكرون في خلق السموات والأرض، ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار} (آل عمران: 190).
إن التفكير في ملكوت الله عبادة صامتة. والنظر المتعمق في أسرار خلقه ذكر مثمر. وليس فوق ذكر الله شيء {ولذكر الله أكبر} (العنكبوت: 54) والذي يذكر الله يذكره الله كيفما ذكره {فاذكروني أذكركم} (البقرة: 15) وذكر الله للذاكر معناه سبغ نعمته عليه، وإنزال رضوانه به وتحقيق الأمن له، وتبديد كل مخاوفه وحيرته: {ألا بذكر الله تطمئن القلوب} (الرعد: 28).
وذكر الله من الشعائر المقدسة في الإسلام: {واذكر ربك كثيراً وسبح بالعشي والإبكار} (آل عمران:41) {واذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفة} (الأعراف: 205) و{واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلاً} (المزمل: 8) {فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكراً} (البقرة: 200) والمعرض عن ذكر الله خاسر شقي {ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى} (طه: 124) وهو ملعون مطرود من رحمة ربه.. «الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله ومن والاه أو عالماً أو متعلماً»( رواه ابن ماجة).. هكذا يقول عليه الصلاة و السلام.
وهو من أحب الأعمال إلى الله كما قال عليه السلام لمعاذ بن جبل حين سأله: أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال عليه السلام: «أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله»( رواه ابن حبان و الطبراني) وذكر الله منج من عذابه، يقول عليه السلام: «ما شيء أنجى من عذاب الله من ذكر الله».( رواه الترمذي و الحاكم).
ومن أجل الفوائد التي يحصل عليها ذاكر الله أمران هما مجمع الخير كله:
أحدهما أن ذكر الله يحول بين المرء وبين مقارفة المعاصي، ودليل ذلك قوله تعالى: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف: 201)
وثانيهما أن يرد ذكر الله بعد وقوع المعصية فيكون سبباً في محوها وغفرانها ودليله من القرآن أيضاً: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون} (آل عمران: 135).
وأفضل أوقات الذكر حين يغفل الناس بلهو أو نوم. وقد مدح الله قوماً لأنهم {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ومما رزقناهم ينفقون. فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون} (السجدة: 16) ولأنهم {وبالأسحار هم يستغفرون} (الذاريات: 18). ولهذا كان بعض السلف ينهض في جوف الليل ويقول: «نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم»، ثم يذكر الله بما شاء ويدعو.
ومن أفضل صيغ الذكر قراءة القرآن، ومدارسة العلم وتعليمه، والإكثار من كلمة التوحيد وفيها يقول عليه السلام: «أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير»( رواه الترمذي) ومن أفضل أنواع الذكر القيام بصلاة التطوع بعد أداء المكتوبة {وأقم الصلاة لذكري} (طـه: 14).
وأبغض المجالس إلى الله مجلس قام ثم انفض ولم يذكر فيه الله تعالى. يقول عليه السلام: «ما جلس قوم مجلساً لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم و إن شاء غفر لهم»( رواه الترمذي).
ولعلك - الآن – أخي العزيز - أدركت في وضوح لماذا أوصى الرسول عليه الصلاة والسلام و العلماء بتلاوة القرآن، والاطلاع والاستماع، وذكر الله.
360