09.05.2007
حقيقة الصراع الدائر على الساحة السياسية في أوكرانيا
بدا من الواضح أن الأزمة الحالية تجسد التناقض العميق في عمل المؤسسات الدستورية في أوكرانيا، كما تعكس الصراع الجيوسياسي القائم حالياً بين موسكو وَ واشنطن، إضافة إلى أنّ طبيعة العمل السياسي تحاكي بالدرجة الأولى مصالح الفئات الإقتصادية الممولة للأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان و خارجه.
فعلى الصعيد الداخلي، تبقى الأزمة دائما متعلقة بتقسيم الممتلكات و الموارد الإقتصادية بين الفئات، و إنشاء مشاريع إستثمارية مع الحليف الخارجي.
أمّا على الصعيد الخارجي، فاعتبار أوكرانيا منطقة حساسة و مهمة للإستراتيجية الروسية وَ الأمريكية على السواء، فإن موسكو تسعى للحفاظ على البنية التحتية العسكرية و اللوجيستية، التي تستعملها كورقة ضغط على شركائها كالأسطول البحري المتواجد في البحر الأبيض المتوسط وَ منظومة أنابيب نقل موارد الطاقة إلى الأسواق العالمية.
إنّ هذا النسيج المعقّد من العوامل الجيوسياسية و الإقتصادية، و هو نقطة تقاطع لمصالح قطبي الصراع الدولي الراهن يحدّد مسار التيارات السياسية في أوكرانيا و بعض دول الاتحاد السوفيتي السابق.
هناك قاعدة سياسية تقول: السياسة الخارجية للدول العملاقة تُحدّدها وَ تمليها السياسة الداخلية، أمّا الحياة السياسية الداخلية للدول الصغيرة فتحددها السياسة الخارجية لأقطاب الصراع الجيوسياسي من حولها.
فالثورة البرتقالية كانت فاصلا مهماًّ في تاريخ الدولة الأوكرانية، الذي أوجد بفضل نجاح مشاريع "الدمقرطة" الغربية المدعومة من الغرب و التي تهدف بالدرجة الأولى إلى إيجاد ساسة ولائهم الأول للمقاييس اللبيرالية تمهيدا لتوسيع نفوذهم في المنطقة. لكن هذه الفئة لم تتمكن من إستغلال زخم القاعدة الشعبية الموجه بالدرجة الأولى ضد الحكم البوليتاري – وليد الحقبة السوفييتية، لأنّ المصالح الذاتية للقيادة السياسية جعلت المشروع "الغربي" يفقد الدعم القاعدي في الشارع الأوكراني بالإضافة الأخطاء المرتكبة بين أقطاب الثورة البرتقالية.
كوتشما و ميدفيتشوك سلما السلطة ليوشينكو و في جوفها "قنبلة الإصلاح السياسي": فكلنا نعرف بأنّ يوشينكو قدم إلى سدة الحكم بعد إجراء الدورة الثالثة (و هي خارج نطاق القوانين الأوكرانية) مقابل تمرير مشروع موروز وَ ميدفيتشوك (التعديلات الدستورية).
يوشينكو أصبح رئيساً في 2005 م، ولكن البرلمان بقي في قبضة فئة كوتشما الموالية لموسكو. و قام النواب في تلك الفترة بإعاقة كل المشاريع التنموية، التي قدمتها حكومة تيموشينكو، غير أنّ البرلمان دعم المرأة الحديدية في مسألة رفع الحصص الإجتماعية و الرواتب – وهي ضربة قاضية لها، لأنّ السياسة الترويجية لرئيسة الوزراء ألحقث ضرراً ملموساً بالإقتصاد القومي، ناهيك على أنها قامت بخصم مايقارب 7 مليارات جريفن – ديون مؤسستها السابقة "أنظمة الطاقة الأوكرانية" و هي عملية إختلاس.
أمّا على الجانب السياسي، فيوشينكو أراد التخلص منها، لأنّها كانت تريد إقتسام فوائد الثورة البرتقالية معه،. أمّا حزب الأقاليم فاستغل الوقت لصالحه لتحضير "الهجوم المعاكس" في الإنتخابات البرلمانية 2006 م. و بالفعل، إنتصر و شكل الإئتلاف و الحكومة مستغلا التناقض السائد بين أقطاب المعسكر البرتقالي و صراعهم الأبدي على السلطة.
فالرئيس يوشينكو كان مجبراً على تقديم ترشيح يانوكوفيتش: أولاً للتخلص من هاجس تيموشينكو و شهيتها السلطوية. ثانيا، الرئيس يوشينكو إلى جانب حصته الدستورية في الحكومة الائتلافية (وزير الخارجية و وزير الدفاع)، فقد حصلت كتلته "أوكرانيا لنا" على عدة مقاعد مهمة مثل وزارة الخارجية و الصحة، ناهيك عن اللجان البرلمانية.
يانوكوفيتش استعمل مفعول "القنبلة الإصلاحية"، التي وضعها منذ البداية ميدفيتشوك و موروز، و بدأ ينفذ مشروع "سلب الصلاحيات" من الرئيس،و بدأ الصراع، الذي لم ينته بعد.
بدأ الإئتلاف يستقطب نواباً من المعارضة لتشكيل الأغلبية الدستورية (300 صوت) لجعل الرئيس قزماً سياسياً، وكذلك من أجل تمرير كل القوانين و التعديلات في الدستور دون خوف حق الفيتو (النقض) للرئيس يوشينكو.
الفئات الرأسمالية الموالية لحزب الأقاليم جد مهتمة في الإستولاء على المركبات الإقتصادية الإستراتيجية بإستعمال الإستثمارات الروسية، إضافة إلى ذلك: مباشرة بعد تعيينه رئيساً للحكومة الإئتلافية صرّح يانوكوفيتش في بروكسيل 14 أيلول المنصرم بأنّ أوكرانيا لا تستعجل مشروع "العضوية بالناتو"، و سيتم ذلك فقط عبر الإستفتاء الشامل للشعب الأوكراني. كما صرّح الوزير الأول بأنّ حكومته مستعدة لتمديد مدة العقد للأسطول البحري الروسي بحوض البحر الأسود.
قدوم بوري بويكو وزيراً للطاقة الأوكرانية يعني بأنّ موسكو بدأت تتعامل مع أوكرانيا وفقاً للبرامج السابقة، و الخطة التوسيعية للكرمان متواصلة في المنطقة، لكن واشنطن بدأت تضغط على موسكو بإستعمالها ورقة "نصب أنظمة الدرع الصاروخي" في الدول المجاورة، و حتى أن الكنغرس خصص أموالاً كبيرة لجلب كييف إلى مداره النووي. كل هذه محاولات لللضغط على موسكو.
و من أجل خلق جو للتفاوض و المساومة، قام يوشينكو بإصدار مرسومه الأول في 02 أبريل 2007 م بطريقة مفاجئة، لأنّ الدستور الأوكراني، وفقاً لنص المادة 90، لا يعطي هذا الحق للرئيس. لكن مؤسسة يوشينكو إلتجئت إلى الحجج السياسية.
الهدف من كل هذه المناورات هو التفاوض مع يانوكوفيتش، و إلاّ ستعصف بأوكرانيا عاصفة الحرب الأهلية و الإنشطار.
و قد كشف الرئيس عن نواياه عندما إقترح على الإئتلاف صفقة مفادها: إرجاعه كل الصلاحيات المسلوبة منه مقابل إلغاء المرسوم. لكن يانوكوفيتش بدأ لعبته الخاصة و هو يعرف بأنّ المحكمة الدستورية ستحكم لصالحه.
يوشينكو من جهته يحاول يكبح عمل المحكمة و يقيل القضاة دون أن يوضح الأسباب الرئيسية وراء ذلك، فقط استعمل عضلاته "الإدارية"،و بعدها عيّن قاضيين آخرين، أحدهما مقرب من حزب الأقاليم (المحامي ستيبان هافريش).
الشيء نفسه يتعلق بمنصب المدعي العام، حيث عين يوشينكو إلى هذا المنصب النائب سفياتوسلاف بيسكون، عضو حزب الأقاليم، و الذي عمل سابقاً مدعيا عاما في عهد كوتشما.
كل هذه "التحركات" توحي بأنّ يوشينكو ويانوكوفيتش يتفاوضون "سريا" في بعد عن زملائها بالإئتلاف الشيوعيين و الإشتراكيين. و كأنّ يوشينكو يريد إستبدال موروز بيوشينكو.
السيد موروز بنفسه أشارإلى هذه النقطة خلال أشغال الدائرة المستديرة، التي نظمها الإئتلاف يوم الإثنين 07 مايو بـ"البيت الأوكراني"، بإستدعاء كثير من الساسة و الخبراء منهم: الرئيسين ليونيد كوتشما و ليونيد كرافتشوك.
الرئيس يوشينكو و ممثلو المعارضة رفضوا الدعوة، ومن المحتمل أنّ جوار الرئيس و تيموشينكو فهموا اللغز: يانوكوفيتش يريد "إقناع الرئيس" للعودة إلى المجرى الدستوي – انتصار قرار المحكمة الدستورية تحت تأثير الرأي العام و الفئات. من جهة أخرى، تيموشينكو لا تريد الجلوس على طاولة واحدة مع ليونيد كوتشما. و هي بمثابة خطوة في الحملة الدعائية للإنتخابات البرلمانية، التي إنطلقت بها مباشرة عقب تعيين يانوكوفيتش رئيساً للحكومة الإئتلافية.
حاليا، مجموعة المتفاوضين المشكلة قبل نهاية الأسبوع، تعثرت في عملها و لم تتمكن من دراسة ملف "التعديلات في الدستور و القانون الإنتخابي". وقد عزى السيد ألكسندر تورتشينوف – الرجل الثاني في كتلة يوليا تيموشينكو – ذلك إلى طلب الشيوعيين إدخال تعديلات في الدستور بخصوص الإنتخابات المبكرة.
قيادة حزب الأقاليم ستستغل "رفض اليساريين" إجراء الانتخابات البرلمانية دون ضمانات دستورية كورقة ضغط على المعارضة، و بالدرجة الأولى على يوليا تيموشينكو، لأنّ كتلة "أوكرانيا لنا" تعرف بأن حظوظها للوصول إلى البرلمان بتعدادها الراهن جد ضئيلة، و هي مستعدة للرجوع إلى قاعة البرلمان تحت مضلة حزب الإقاليم: أي أنّ يانوكوفيتش، حسب الإستقراءات و الإستطلاعات الأخيرة، مستعد للتضحية بموروز مقابل السلطة التنفيذية. أي أننا قد نشهد تشكيل ائتلاف ثلاثي آخر: حزب الأقاليم، كتلة "أوكرانيا لنا" وَ الحزب الشيوعي.
مركز الرائد للخدمات الإعلامية
278